كتب أحمد جمال موسى
كَانَ لأبي حنيفة جار بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، حَتَّى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحمًا فطبخه، أَوْ سمكة فيشويها، ثُمَّ لا يزال يشرب الخمر، حَتَّى إِذَا دب الشراب فيه غنى بصوت، وَهُوَ يَقُولُ: أضاعونى أضاعونى وأي فتىً أضاعوا && ليوم كريهة وسداد ثغر، فلا يزال يشرب ويردد هَذَا البيت حَتَّى يأخذه النوم، وَكَانَ أَبُو حنيفة يسمع صوته كل يوم، وَكَانَ أَبُو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أَبُو حنيفة صوته، فسأل عَنْهُ .
فَقِيلَ: أخذه العسس ( الشرطي ) منذ ليال، وَهُوَ محبوس، فصلى أَبُو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته، واستأذن عَلَى الأمير، قَالَ الأمير: ائذنوا لَهُ، وأقبلوا بِهِ راكبًا، ولا تدعوه ينزل حَتَّى يطأ البساط، ففعل، فلم يزل الأمير يوسع لَهُ من مجلسه،
وَقَالَ: ما حاجتك ؟ قَالَ: لي جار أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فَقَالَ: نعم، وكل من أُخِذ في تِلْكَ الليلة إلى يومنا هَذَا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أَبُو حنيفة وجارُه يمشي وراءه، فَلَمَّا نزل أَبُو حنيفة مضى إِلَيْهِ، فَقَالَ: يا فتى، أضعناك؟ فَقَالَ لا، بل حفظتَ ورعيتَ، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار ورعاية الحق .
وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان .
