recent
أخبار ساخنة

ومازال طيفك يُلاحقِني

هالة الشحات
الصفحة الرئيسية



ومازال طيفك يُلاحقِني


كتبت بسمة الإمام

فِي إحدىٰ الليالِي البَاردة ( رَمَقَتْ ) بعينيهَا مَنشُور علىٰ مِنصة التواصُل الإجتماعِي (الفيسبوك) لرجلٍ يطلب فيها جوارب ثقيلة كمساعدة لإحدىٰ دُور المُسنين لكبارِ السن، و يُذَكِّر فاعلي الخير بفعل الخير، فهناك مَن يُعانون من لفحاتِ البرد و تجمُّد أطرافِهم،

فأيامِ الشتاء لا ترحم كبيرًا أو صغيرًا....


هَرعَت تتصلُ بالرقمِ المذكُور بالمنشورِ لتعرفَ ما المطلوب أيضًا و ما عُنوان الدار..

* لقد مرت مؤخرًا بفترةٍ عصيبةٍ اجتاحت كلُ جوارحها و أنْسَتْ قلبها الفرح، و أدمعت عيناها حتى ذَبُلَت، حتىٰ كادت تنسىٰ كم من العمرِ عاشت و لمن ستعيش..

رد عليها رجل أربعيني دمثُ الخُلق ذو صوتٍ رخيم، و أخبرها أنه ليس بصاحب الدار و إنما يترددُ عليها بين الحين و الآخر كفاعلٍ للخير يُقدم المُساعدة حين يستطيع و يُبلّغُ غيره ممن يُحبون الخير أيضًا..
أعطاها العُنوان و رقم الدار كي تقوم هي بهذه المُهمة.


* دوّنت الرقم والعُنوان و كانت في لهفةٍ لفعل الخير، تَحتشِد في عقلها الأفكار التي بها تستطيعُ المُساعدة لهؤلاء العجائز لعلها تتناسىٰ الشجن والحزن..

ارتدت ملابسها بخفةٍ و سرعة، تتسارع خُطواتها عن ذي قبل، تشعر اليوم على الرغم من ملامح الحزن التي تكسو وجهها البريئ لفترةٍ طويلة، بأنها أصغر و حركاتها أرشق و بوادر الفرح تتسلل لقلبها الطيب الحزين.

تتوجه لإحدىٰ متاجر الملابس القطنية المشهورة، لتنتقي أفضل ما عندهم من الجوارب، تختارها ثقيلة دافئة مريحة، تطلب جوربين لكلِ عجوز لأنهم فى حاجةٍ ماسةٍ إلى التدفئة و التغيير .. و لو بيديها لكانت أتت بالمتجر كله لهم.

تدخُل محل صغير لبيع الأكياس البلاستيكية لتقسيم الدفعة الأولىٰ من ذلك الخير البسيط الذى سيكون بداية لخير كبير يدور في رأسها نحو هذه الدار...


تفقدت العُنوان مرةً أخرىٰ.. لتكتشف أنه بعيدٌ عنها.. فكيف لم تنتبه من قبل أنه بعيد و في مكان متطرفٌ عما تقطن..
لا بأس؛ فالخير لا يعرف الصِعاب، بل الخير أساسه تذليل الطريق أمام الصعاب..


* أخذت قطار الأنفاق نحو وجهتها، تفكر يزوغ فكرها في الفراغ، تغرق عيانها بالدموع، تكبح نزولها كى لا يُلاحظ أحدٌ من الراكبين، تبلعُ لعابها و معه تبتلعُ آلامها وغُصة قلبها..

علىٰ باب الدار تنتظر حتىٰ يُفتح لها، تدخل و تنظر حولها، فإذا بمكان متواضع، متهالك الأركان، مُظلم، يُلقي بالحزن والشجن في القلب.. تسأل مُشرفة المكان عن المُسنين الموجودين و تطلب أن تُوزع مالديها عليهم بنفسها.. فعلىٰ الرغم من طيبتها إلا أنها سيدة ناضجة مخضرمة عاملة، تعرف كيف تجري الأمور في تلك الأماكن، و خصوصًا في مجال التطوع و أعمال الخير، كما أنها تريد أن تتعرف عليهم و تتحدث معهم قليلًا، فربما يثلجُ هذا من نارِ قلبها..

المكان تشوبه رائحة العَجَز و المرض، يفصلون الرجال عن النساء في عنابر تشبه السجون. تدخل عليهم واحدًا تلو الآخر، تهديهم هديتها البسيطة و هي سعيدة... تقدمها بهدوء و بأدب واضحين، فالبرد لا دين له، قد نخر في عِظامهم الهشة لسنواتٍ حتىٰ غير من طباعهم... منهم من استطاع أن يلبسه بنفسه و منهم من أخذ المرض والعمر منه الكثير..


* جلست تحت قدمي تلك المُسنة و ذلك المسن تساعدهم في إرتداء جواربهم الجديدة و هي تبتسم، تتلمس تلك الأقدام التي تذكرها بالماضي، تنغصها الذكرى، ينقبض قلبها، ليس فقط لتلاعُبْ الماضي بعقلها... و لكن لقسوة الجلد الذي تلمسه و كأن تلك الأقدام لتماثيل خشبية ليست لبشر..
"يا لهم من أبرياء !! يا ليتني أتيت لهم منذ بداية الشتاء.. يا ليتني عَرفت بحالهم من ذي قبل... يا..." يجُول في فِكرها الكثير من التساؤلات و الندم، حتىٰ يقطعه صوت المُشرفة التي تريد إطلاعها علىٰ بقية الدار، فقد تستطيع الانتفاع من تلك الطيبة و قد ظهر عليها يُسر الحال.

تمشي بجانب المشرفة في الطرقة، تستمع لشكواها بإهتمام، و تحاول تجميع أولوياتها التي ترتب لها نحو الدار البسيطة هذه أثناء الحديث، تُلقي بعينيها لبعيد لترىٰ مجموعة من الأجهزة الكهربائية المُتراصة جنبًا إلىٰ جنب.. ( ثلاجتان، غسالتان، بوتوجاز.. إلخ و أجهزة أخرى ).

لم تهتم و هي تَدخل لهذا المكان بالنظر لهم، فشدة تواضع المشهد ألهتها عن التساؤل حينها... و لكن لاحظت شيئًا غريبًا.. "لماذا يضعون أوراقًا باسماء أشخاص علىٰ كل جهاز ؟!.. تلك مَكتوب عليها "مُحمد السيد" و الثانية "مُحي الدين عصام" و الأخرى "..."!! عجبًا!!... و تذكرت أيضًا أن المراوح بداخل كل عنبر مرت عليه كان مُعلّق عليها وُريقات تحمل أسماءً هي الأخرىٰ.. حسنًا، و ماذا عن الغسالة؟ تُحدث نفسها.. شئ غريب و لكنه أضحكها و رسم ابتسامةً صغيرةً علىٰ ثغرها قد غابت لشهورٍ..

قطع أفكارُها صوت المشرفة التي ردت علىٰ تساؤلاتها في الحين و كأنها كانت تتحدث بصوتٍ عالٍ أو ملامح تعجبُّها فضحتها.. "هذه الأوراق تحمل اسماء الناس المُتبرعين بهذه الأجهزة، كل فرد يأتي بشئ للدار نكتب اسمه علىٰ ما أتىٰ به.. تخليدًا لاسمه و فعله الكريم و كذلك لتذكير المُسنين هنا له بالدعاء له.."

* يا إلهي بالطبع هذه اسماء المتبرعين و فاعلي الخير.. كيف لم أُخمن بسرعة ؟! ربما فقدت قدرتي علىٰ التركيز... فالحزن يأكل تركيزي".. تحدث نفسها و تومئ المشرفة بأنها بالطبع استنتجت ذٰلك من أول وهله..

و لكن...

أستوقفها اسم مميز بالنسبة لها_علىٰ إحدىٰ الثلاجات، و قد أثار فضولها أن تسأل عن صاحبه.. "من هو ( أحمد إمام ) هذا؟" تسأل، ذكرت لها المشرفة أنه "الحاج أحمد إمام" رجل خيّر و له الكثير من المساعدات المحترمة للدار، متبرع منتظم لسنوات عديدة لنا، كان يسأل دائمًا عن احتياجات الدار و يلبيها جميعها"و لكنها تريد معرفة المزيد عنه، فشيئ ما تسرّب إليها.."و أين هو الآن؟" تسأل.. "لا نعلم، لم نسمع عنه منذ سنة و إنقطع مجيئه، فلم يترك أي وسيلة للإتصال به سوىٰ اسمه، و قد حاولنا كثيرًا الوصول له و لكن دون فائدة"... الفُضُول زاد و زادت معه دقات القلب و اختناق الأكسجين في ممر التنفس.


"أيمكن أن تصفيه لي؟ فربما أعرفه.." تسأل.... المشرفة" إنه رجل ستينى ذو قامة طويلة و عريضة كالرياضيين، لكن يبدو عليه الطيبة و السماحة و الكرم و طيب الأصل.. آه تذكرت.. و له أيضا شارب و أسمر البشرة و..."

"أيُعقل؟ لا.. كيف؟.. لا لا تقولي.. ربما لا، بالتأكيد تشابُه اسماء" ما يدور بعقلها....ترتعد، تتجمد يداها، تتجه بيدها اليمنىٰ نحو حقيبتها لتخرج شيئًا ما إنها صورته و تعطيها للمشرفة فتقطع حديثها .... تترتجف شفتاها بشدة و تُخرِج الكلمات بصعوبة من حلقها و تمد بيدها نحوها... لتسألها "أتقصدين هذا الرجل؟!

"هو هو... هو الحاج أحمد.. أنا أعرفه جيدًا، و أنتِ من أين تعرفيه؟ و كيف حاله؟ و لماذا إنقطع عن زيارتنا؟..."المشرفة.
ردت عليها و الصدمة تعلو وجهها و عيناها إلىٰ الفراغ...

"هذا هذا أبي..." 

ابتسمت المشرفة من الصدفة العجيبة و سألتها بابتسامة عريضة "و أنتِ ابنته الصحفية أم أستاذة الجامعة؟ فقد كان يحكي لنا الكثير عنكم أنتِ و أختكِ و أخويكِ الرجال"


أما هي فانفجرت بالبكاء كطفلةٍ صغيرة... إندهشت المشرفة و تجمع حولها كل العاملون بالدار، يتسآئلون ماذا حدث!! و هي تبكي و تبكي بحرقةٍ حتىٰ خرجت من فمها كلمات متقطعة تغرقها الدموع "أبي... هذا أبي، و قد ت...تو.. توفّي مؤخرًا"

كانت صدمة لكل الحاضرين، ذٰلك الملاك الجميل الذي كان يأتي في صورة رجل كريم غاب عنهم قليلًا، فتأتي إليهم ابنته المُقرّبة إلىٰ قلبه صُدفةً دون أن تعلم أنه من المترددين الدائمين و العائلين لهذه الدار حتىٰ تُعلمهم بخبر وفاته في مشهد سينمائي مُحكم الكتابة و الإخراج.


أخرجت لها إحدىٰ المساعدات كل الأوراق التي تثبت أنه اشترىٰ الكثير من الأجهزة و المتطلبات للدار و عليها إمضاؤه، كما ذكرت لها تشريف و الدها لها بحضوره حفل زفافها البسيط منذ عشر سنوات.
* "ااااااه يا أبي.... ااااااه من وجع فراقك...اااه من قَدرِك الذي علا و أرتفع عندي أكثر مما كان...يا مَنْ حقق ما كان يتمناه، فكنت دائمًا تريد تحقيق المعادلة الصعبة (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:

 صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ، فقد جمعت بين الأولىٰ و الأخيرة،. بل كنت مُعلم محنك لأجيال عديدة في مجال عملك فأنت رجل جسور و طبقت بذلك حديث الرسول الكريم برمته، بل كانت بينك و بين الله دروب و أوصال لم أعلم منها سوىٰ القليل و لكنني رأيته بأم عيني و قد شهد عليها الجميع بكل الحب و الخير....

وفاتك يا أبي ألقت بظلمتها علىٰ قلبي الضعيف الذي كان يقوىٰ فقط بوجودك.. و وحدتي و شجوني زادتبل أن قواىٰ خارت و تاهت دروبي في الحياة دونك...


ياااااه يا أبي ليتك تعيش هذه اللحظة حتىٰ أحكي لك ما حدث، صدفة جميلة أنعشت ذكراك في روحي، ليتك هنا تسمعني أقصُّها عليك كما اعتدنا سويًا، فتضحك، و تضحك لي الحياة...."


" لكن من هنا حياتي لن تتوقف، و الله لن تتوقف... ربما تمينت عكس ذٰلك بعد موتك، لكن كيف لي أن أوقف سيل حسناتك الذي فجرته بأعمالك و أنت حيّ... عهدًا عليّ يا أبي أن أُكمل مسيرتك و أُخلّد اسمَك علىٰ الأرض حتىٰ نلتقي في عنان السماء و في جنة الخلد..."


دمت لي خير أب
دُمت لى خير قدوة
رحمك الله يا حبيبي
google-playkhamsatmostaqltradentX